ابو البركات

420

الكتاب المعتبر في الحكمة

يتعلم الجاهل منه اما بطلبه واما بتنبيه العالم له عليه وما سيكون فليس بموجود حتى يدركه مدرك فيعلم به عالم من حيث ادركه فبقى ان يكون العلم به قبل كونه من جهة مباديه وأسبابه لا محالة اما الطبيعية واما الإرادية ، فالطبيعي من أسباب ما سيكون قد علمت وتعلم أنه يرجع إلى الارادى فان الارادى من الأسباب هو العالم لسائر الموجودات فالعلم به يؤدى إلى العلم بالطبيعى وقد يدرك الانسان ويعلم فيما يراه في المنام ما لم يره في الأعيان إذ لم يوجد فيها بعد ولم يحط بأسبابه الطبيعية علما من حيث هي فاعلة له بأنها تفعل ما تفعله في وقت الفعل ومع الكون من غير أن تقدم في ذلك روية ولا عزيمة يطلع عليها المطلع ويعلمها العالم . فبقى ان يكون حصول العلم بما سيكون من جهة مباديه الإرادية وعزائم الإرادة والمشيئة السابقة لكونه . ومن غير ذلك فلا سبيل إلى حصوله لا من جهة الموجود فإنه لم يوجد بعد ولا من جهة أسبابه الطبيعية التي لا يتقدم العلم والروية على فعلها وانما يكون ذلك عند المبادى المريدة وهذه المبادى التي تسبق عندها الإرادة والعزيمة على فعل ما سيكون مما يراه الانسان في المنام ويدل عليه دلائل الأحلام هي من غير البشر الذين يناجى بعضهم بعضا بالإشارات الحسية المسموعة والمرئية بالآلات الظاهرة فان الانسان يرى منه ذلك ما يرى ويسمع ما يسمع لا بعينه ولا بأذنه المعطلتين في وقت نومه بل بعينه وأذنه الذاتيتين اللتين هما ذات نفسه المدركة لما يرى بالعين ويسمع بالأذن بل هي ممن يناجى البشر بمناجاة النفس بالنفس واطلاع النفس على ما عند النفس مما هو حاضر عند النفس فهي جواهر غير جسمانية وغير محسوسة عالمة عاقلة حساسة فعالة مريدة عارفة بجزئيات الموجودات وكلياتها . اما انها جواهر غير جسمانية فلمشافهتها ذوات نفوسنا من غير أن يمنعها حجاب الأجسام ولا يصدها عائق من كثافتها ، واما انها غير محسوسة فلأنها لا يراها من يرى النائم الذي يقرب منه ويشافهه ولا يرى ما يراه ، واما انها عالمة بالفعل فلما قلنا من أن غير العالم بالفعل لا يعلم ولا يعلم « 1 » وانما يعلم العالم بالقوة اما بادراك

--> ( 1 ) كذا - وفي هامش سع - والظاهر ولا يفعل -